يوم إلتقاها … فحقق الحلم …

Posted: فبراير 4, 2016 in Uncategorized
السلام عليكم ورحمة الله و بركاته 





إعتاد عند خروجه من المدرسة … أن يتجنب العودة إلى البيت من أقصر الطرق … فيشق الطريق الأطول … الذي يمر به من وسط السوق … حباً في مشاهدة الباعة و المتسوقين ، و البضائع و عروض الحلوى و الشكلاتة … و يبطئ في مشيته عندما يقترب من بائع المكسرات ، وهو يرى يديه ببطء تتحرك و هو يمسك الملعقة المسطحة التي يستعملها لتحميص اللوز و المكسرات في الفرن الصغير الذي يضعه أمام مدخل دكانه … والأبخرة منه تتصاعد … و كلما إقترب … تراءت له حبات اللوز تتقافز على ذاك الصفيح الساخن و هن يتناثرن على بعضهن البعض … و كلما إرتفعت إحداهن سقطت الآخرى …  وكلما سقطت تلامست بحرارة الصفيحة الساخنة فزادها حمرة و تغلغلت القرمشة إلى تفاصيلها لتكون أكثر ضجيجا عند قضمها … رفع عينه لينظر إلى الرجل الذي لم يكن منتبها له ولا لمروره … ليستمر في مسيره وهو يسمع صوت الحبات يتقافزن و يتطايرن ويتمايزن … 

يتنقل بعينيه من زجاج عرض إلى آخر … ينظر يمينا و شمالا … يلاحق القطط التي أخذت من أمام الجزار مستقرا لها … يقطع الطريق الفرعي … يمر أمام البريد … وبجانبه الحلاق يعزف عزفته على رأس أحد زبائنه وهو لا يكف عن الكلام … نشاط في السوق و في كل المحلات … و بالأخص … في مطعم تقديم سريع الوجبات … فوقت الغذاء … و وقت الخروج من المدرسة … سوءا … 

نزل الدرجات القليلة المؤدية إلى الطريق الرئيسي حيث سيحتاج من يساعده على تخطي الطريق و عادة ينتظر حتى يقطعها جمع آخر من الناس … ينظر إلى إزدحام ذاك المطعم … و تقع عينه على  رجل جالس يكاد يحتضن رغيف خبز بشرائح اللحم المحمر مملوء … يغمض عينيه وهو يقربه إلى فمه مستمتعا باللحظة … يغوص في لذة الطعم و متعة إنتشاء تذوقه … و كأنه يغيب عن المكان ليكون في عالم آخر تلك اللحظة التي يمتلئ فيها فمه بمزيج شرائح اللحم و الخبز الطازج و قطع البطاطا و الطماطم و الخيار المخلل … و بعض الفلفل المهروس … إنه صورة حية لمعنى الإنتشاء بلذة الطعام … 

يشعر بقرع في بطنه لكثرة تركيزه على حال ذاك الرجل … و يمني نفسه بوجبة غذاء تسكت طبول بطنه تنتظره في البيت … يصل آخر الممر الضيق ليخرج إلى متسع الطريق و يقف على حافتها … ينظر يمينا … يسارا … يعيد النظر إلى اليمين و في منتصف إلتفاتته ينتبه … يلتفت مجددا نحو اليسار … يخطو خطوات … يركز أكثر … يقترب … يقف صامتا بلا حراك … يغيب عن الزحام الذي حوله … ليس بينه وبينها إلا زجاج العرض … كأن الجميع إختفوا … كأنه إنتقل إلى بعد مختلف … ليس فيه أحد إلا هو … و هي … هناك واقفة … غير مبالية بشيء … مدهشة … مغرية … شكلها أنيق … تفاصيلها دقيقة … خطوطها ساحرة… كلها … لها جمال آخاذ … يا إلهي … ما هذا … نسي كل شيء … نسي الجوع ولهفته للطعام توقفت طبولها  … نسي الحلوى … نسي البيت و العودة إليه …  و وقف مشدوها يشاهد و يركز في لمعانها … في المنتصف واقفة … تأملها … بشغف … و إعجاب … تأملها بهيام و إنسجام … نقلته إلى عالم كان يراه فقط من خلال الآخرين … لا يعرفه … لم يزره من قبل ، ولكنه رأى الكثيرين يزورونه و كيف كانت تعابيرهم تتبدل و يغيبون عن ما حولهم للحظات … و يعرف ذلك في أعينهم جيداً و في حركاتهم أيضا … و ها هو يعيش ذات اللحظة … ذات الإحساس … لا شيء يفصل بينه وبينها … و بين سحر جمالها إلا زجاج شفاف … معروضة في مكانها … على أربع دواليب شديدة السواد واقفة … إطار أبيض يحيط بكل دولاب من دواليبها … و لمعة فضية في المنتصف تعكس وجهه … ممتدة … عينيها دائرية … زجاجها شفاف … اللون الفضي يحزمها بشريط رقيق ناصع لامع … إمتداد زوايا إنارتها الخلفية و منظر زجاجها الأمامي … لا سقف يغطيها مكشوفة حمراء غامقة … بكراسي جلد بيضاء متناسقة في كل زواياها … أصابته في قلبه … هزت عقله … أعجب … أغرم … وهو الذي لم يعرف الحب من قبل … 

بقي في تلك اللحظة زمنا لم يذكر مداه ، ولكنه بضجيج الشارع و صوت منبه السيارات عاد إلى الواقع الذي كان فيه … وهو يعرف بينه وبين نفسه شيئا واحدا فقط … أنه يجب أن يحصل على هذه السيارة ، يجب أن تكون ملكه … 

تناول غذاءه على عجل … و ركض إلى حيث أخفى حصالته التي صنعها من علبة صفيح أحدث في آخرها فتحة صغيرة … و إن كان غلاف العلبة يسهل فتحه … ولكنها الطريقة الأمثل ليشعر أن ما يدخل إلى هذه العلبة لن يخرج منها … 
و لكن الآن لدينا هدف نريد تحقيقه ، لدينا ما نسعى له و نعمل لإجله … أخرج مافي العلبة من نقود و أخذ يعدها … و سجل الرقم في إحدى كراساته و قال سأرى … كم ينقصني حتى أحصل عليها … سأسأل على ثمنها غدا …

لأول مرة يمر اليوم الدراسي ببطء شديد … لم يتمالك نفسه في كل حصة إلا بجهد جهيد ، و هو يتخيل أن المعلمة بلون أحمر و حاجباها فضية اللون و عينها تصدر إنارة قوية … وصوتها كصوت محرك السيارة و لا يفيق إلا بصوت المنبه لتسأله المعلمة بقول … أين أنت … هل أنت معنا … إنتبه … 

ما أن سمع صوت جرس إنتهاء الحصص … حتى إنطلق مسرعا مخترقا السوق … غير مبال بالمحلات و المكسرات و القطط و العروض على جانبي الطريق … لم ينظر حتى لإزدحام المطعم و إستمتاع الجالسين بالطعام … لينتبه فقط أنه منتصب أمام زجاج خلفه تقبع حبيبته … ماتزال كما هي ببهجتها التي أثرت به البارحة … لم تتغير … ولم ينقص من تأثيرها عليه شيء … وقف مطولا يتأملها … و يتعمق في تفاصيلها … حتى سمع رنة فتح الباب الزجاجي و أحد الزبائن يخرج … فأمسك الباب قبل إغلاقه … و دخل متسللا … يلتفت حوله مراقبا … إتجه نحو البائع … وسأله مشيرا بإصبعه إلى تلك السيارة … بكم هذه؟ …

إنحنى البائع ذو الشعر الأبيض الخفيف … مبتسما … وقال هذه السيارة بستمائة … فقط … شكره و خرج واقفا أمام الزجاج ليشاهدها أكثر … و يتمعن فيها أكثر و يزيد إصراره على أن يقتنيها … و تكون ملكه … 

جلس يعد ما لديه في حصالته من جديد ، و لم يهتم كثيرا للرقم الذي كتبه سابقا … فوجد أنه يحتاج الكثير جدا ليمتلك ثمنها … فأخذ يفكر في وسيلة يحصل بها على ما يكفي من مال … فتخاطرت الأفكار عليه و قام من مكانه مسرعا نحو والدته … ليعقد معها إتفاق أن يكون هو من يقوم بشراء إحتياجات المنزل من بقالة على أن يأخذ كل ما يتبقى معه من مال المشتريات لنفسه … فسألته لما تريد ذلك … لم يرغب في إخبارها بشيء حتى وافقت على طلبه  … وكذا عقد إتفاقه مع والده … الذي كان مصدر المال لمشتريات البيت من بقالة … 

وهكذا أخذ على عاتقه هذا العمل … فكان ينتظر بفارغ الصبر متى يطلب شيء و ينقص آخر و يسأل يوميا … هل ينقصكم شيء ؟ هل تحتاجين شيء يا أمي … و إعتاد أن يكتب كل طلباتهم حتى لا ينسى شيئا … 

بعد مرور ثلاثة أشهر و زيادة  … مرت كلها في شوق و إنتظار و عمل وإجتهاد أدى به إلى التعرف على أغلب باعة تلك المحال و الدكاكين ، و صار الكل يعرفه … وهو لا ينسى المرور على سيارته كل يوم يتأملها و يتأكد من تواجدها و عدم بيعها …

أتى اليوم الذي إنتظره كثيرا … دخل إلى البائع و قال له و الثقة تملأه … أريد شراء هذه السيارة … تفحصه البائع و دقق فيه و في ملامحه الجدية … و قال له مازحا … ولكنك مازلت صغيرا … كيف تشتري سيارة ؟ 

فعلت وجه الصغير حمرة غضب وهو يمد يده بثمن السيارة كاملا… فتداركه الرجل وهو يستلم المال من يديه و قال حسنا حسنا … تفضل … من هنا … تبعه إلى حيث السيارة و قال له … تفضل …

وقف لحظات … إلتغى فيها كل شيء فيما بينه و بينها … وها قد أصبحت له … ملكه … سيجتمع بها … لن يبتعد أحدهما عن الآخر … تعبت كثيرا حتى وصلت إلى هذه اللحظة … حتى إمتلكت الحق في أن تكوني لي … أخرجها من العلبة … و قبض عليها بيده قبضة قوية … و وضعها في جيبه و إلى البيت فرحا بإنجازه وما بذل لأجله من جهد وما حقق إنصرف … 


شكراً…
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s